بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، سبتمبر 24، 2014

لماذا يستحق المصريون رئيسا مثل "السيسي"؟


لماذا يستحق المصريون رئيسا مثل "السيسي"؟
و لم لا؟
فهو الشعب الذي ذاق الظلم لسنوات حتى اعتاده، لكنه أيضا ارتضاه لكل من يخالفه الفكر و الرأي.
و هو الشعب الذي استحل الرشوة و الفساد و برره على مر عقود، فكيف له أن يعيش في حياة غير ذلك؟
و هو الشعب الذي جرب الديموقراطية لعامين فركلها موليا وجهه نحو عسكري بدبابة لينصبه حاكما و متحكما في مصيره.
و هم النشطاء – إلا من رحم ربي- الذين هتفوا (يسقط حكم العسكر) ثم سبحوا بحمده بحجج مختلفة كرها في منافسيهم.
و هن الناشطات اللائي تباكين لكشوف العذرية على متظاهرات شهيرات  ثم تاجرن بالقصة، ثم صمتن بل باركن انتهاكات العسكر ضد غيرهن من المتظاهرات المؤيدات للشرعية.
و هن الناشطات اللائي طالبن "السيسي" بأن يقتل أكثر يوم مجزرة "رابعة" و كأن قلوبهن قدت من حجر و نار في حين امتلأت أرصدتهن بملايين الدولارات الأمريكية باسم جمعيات حقوق الانسان.
اعتقد أن جل الشعب المصري ربما سار مع التيار منتظرا كيف ستئول الأمور بعد 25 يناير2011، فلما وجد أنه لا تغيير و لا قضاء على فساد، خرج ليعيد الظالمين لسدة الحكم في 30 يونيه 2014. اختار الشعب طريق الديموقراطية و النداء بالمطلب الأهم و هو العيش و الكرامة و الحرية..لكن في غضون ثلاث سنوات ظهر أنه كان يجرب الثورة لكي تحقق له فقط رغد العيش بصورة فردية..فلما تبين يوما بعد الآخر أنه لا تحسن اقتصادي، استخدم حريته بصورة غير منضبطة فوضوية ليحصل على غير حقه..صار الشعب أميل إلى الفوضى و البلطجة بعد 25 يناير لأن الظروف وفرت له هذا الانفلات في غياب الشرطة و الأمن و القيم الضابطة لخلق المجتمع.
إن المتابع للمجتمع المصري سيجد أن الكثير منه (لم يكن) أو لا يريد ثورة و لا تغييرا للأفضل. لا يريد حرية لأنه يريد أن يستعبد غيره من الضعفاء كما يستعبده من هم أقوى منه. لا يريد الكرامة لأنه يفضل أن يعيش  صامتا يأكل و يشرب فقط بدلا من أن يعيش كريما مهما كلفه الأمر من تضحيات. لا يريد العدالة الاجتماعية لأنه يرى أنه سيحرم من مزايا السرقة و الرشوة المباشرة و غير المباشرة التي ينعم بها في هذا المجتمع الفاسد، فلماذا يتقبل أن يتساوى مع غيره من الشرفاء؟
في نطاق العمل، لا تستطيع تمرير ورقة حكومية و لا تأشيرة دون رشى أو إكراميات كما يحلو للمصريين تسميتها بل يتفاخر البعض أنها حلال و واجبة لأنها وسيلة للحصول على الحق كما قال المستشيخ الفلاني. و من لا يستطع الدفع أو لا يستحله فلن يحصل على حقه. لا تستطيع الوصول لمنصب مستحق دون التخلي عن كرامتك أو التملق لكبار المسؤولين أو التغاطي و ربما المشاركة في الفساد المسشتري في معظم المؤسسات. في نطاق العمل الحكومي، تقريبا لا أحد يعاقب على فساد إلا إذا تفشت رائحته إعلاميا و سببت حرجا للكبار و لم يتمكن من "تظبيط" أوراقه. و حينها يعاقبوه (لا على الفساد، لكن على أنه لم يتمكن من تظبيط أوراقه فكشف نفسه و صار خطيرا على معاونيه و كبار الفاسدين) فيضحوا به سريعا بدعوى الشرف و ما هم بشرفاء. و هذا ما سيوفره نظام "السيسي" لهم كما وفره مبارك لهم. و العجب أن لا أحد يتكلم تقريبا و كأن هذا هو الطبيعي.
كيفما تكونوا يول عليكم.
لا أغفل أن نسبة من المصريين تطمح لمستقبل و حاكم أفضل و مسارا سلميا لتداول السلطة. لكن تجربة "مرسي" لم تتمكن من انتهاج هذا المسار لأن الطريق كان صعبا و المواجهات (المعرقلات) ضخمة كما أن الاداء لم يكن على قدر المهام و الأغراض لم تلائم المرحلة. و ربما لم يتفرغ أو يتمكن أحد لتغيير عقلية و سلوك هذا المجتمع أو التحكم في فساده في هذا الوقت القصير. فكان ما كان، و هذا خارج نطاق المناقشة الآن...لأن كثير من هذا الشعب أراد حاكما مثل "السيسي" و شاركه في الاعتداءات على المتظاهرين و بارك الإعلام و افتتن بفتنته بإرادته و رفع رجال الشرطة قاتلي شهداء 25 يناير على أكتافه في التحرير يوم 30 يونيه. لن يقبل هذا الشعب بمسار آخر إلا هذا المسار مهما كلفه الأمر. أم حسبتم أن "السيسي" فقط هو من قام بالانقلاب وحده؟ أو أنه استغل مظاهرات الست ساعات فقط؟ لا،  يا سادة.."السيسي" و الشعب يد واحدة في طريق هدم "مصر" لتتحول إلى دولة خراب يحكمها العسكر و الفاسدون. لتتحول إلى الدولة الفاسد أهلها. الدولة الظالم أهلها؛ ظالمون لأنفسهم قبل غيرهم و هم يعلمون.
هذه ليست نظرة سوداووية. لكنها مجرد توصيف لحال شريحة كبيرة من أهل مصر. ربما تتعدى الستين بالمائة فرضا..وبهذا يكون ديموقراطيا لهم الأغلبيةJ ...هذه ليست دعوة للسكوت و عدم التغيير. لكنه الواقع لنتساءل : كيف نتغير تغييرا فعالا؟ (مع الأخذ في الاعتبار بأن التظاهرات وحدها لا تفيد أو لم تعد تفيد بعد عام من التظاهرات. غرضها و وقتها انتهى. صارت تضر أكثر مما تفيد.)
___ 

  من حوار مع سيدة مصرية
-ايه رأيك في مبارك حاليا؟
- اهو زي السيسي. قصدي السيسي اكثر ظلم من مبارك لانه قتل كام الف هو و بتاع الداخلية. حاجة بالعقل الشعب شال مبارك علش قتل الناس و خد 3 سنين، فالناس تجيب اللي قتل الالاف علشان يبقى رئيس. سبحان الله.
-انتي رأيك ايه في حل المشكلة الحالية؟
- يتحاكم.
- مين اللي يحاكمه؟
- مفيش حد عدل كله هيبرر له. نصاب قصاد نصاب بيحاكمه.
- و بعدين؟ الحل؟ ازاي هيتحاكم؟
- نخلعه ازاي؟ غير المظاهرات ؟!!
- ؟؟؟


الثلاثاء، سبتمبر 23، 2014

سبعة قتلى..في سبعة أيام..



سبعة قتلى..في سبعة أيام..
 
"اللهم أبدله دارا خيرا من داره...".
أخذ يفكر كيف كانت داره في آخر أيامه، و ما شكل داره التي سيبدله الله إياها.
كيف كان في داره يختنق وسط عشرات المساجين في حجرة (مترين بمترين)، و كيف سيكون قبره مدى بصره روضة مليئة بالزهور النضرة و الهواء النقي...هواء الحرية الذي منعوه عنه لشهور دون ذنب. كيف، و كيف....توقف للحظات ليتذكر ما يخاف منه...كيف قضى ساعاته الأخيرة دون متنفس للهواء و دون علاج أو جهاز "أوكسجين"، بينما أزمته القلبية تشتد عليه، و قلبه الضعيف المكبل بإصابات سابقة لم يعد يحتمل كل هذا العناء. كيف تحمل هذه الساعات و أزمته تشتد دون جدوى من استعطاف القتلة. كيف، و كيف...؟
كيف شاهده رفاقه المسجونون (المعتقلون) وهو يموت ببطء؟
لأن إرادة أصغر سجان و أكبر مأمور سجن  و وزير داخلية و حاكم كانت أن يموت كل بضعة أسابيع معتقل ثم لا يحاسبهم أحد، فيموت كل أسبوعين معتقل و لا يحاسبهم أحد، ثم كل أسبوع و لا بادرة حساب..حتى وصل الأمر إلى أن يموت سبعة معتقلين في سبعة أيام هذا الأسبوع الأخير. 
الآن صارت حياة الأفراد في السجون مثل " لعبة الشطرنج" يحركها القتلة و تزدادا وتيرة اللعبة؛ حتى ينتهي الأمر بإلقاء أكبر قدر من المعتقلين في القبور..لقد بدءوها بمذبحة عربة الترحيلات و ظنوا أن أحدا قد يحاسبهم، فلما وجدوا أن القليل يتكلم و يجأر دون الاقتراب من القتلة المعروفين قصاصا...لهذا أرادوا أن يعيدوا اللعبة مرة ثانية (لنقتل شخصا كل أسابيع ثم كل أسبوعين...)، و هكذا.

يكاد عقله ينفجر..يكاد يصرخ من الغيظ..لكنه يهدئ من روعه فيعود لذات الكلمة التي علمه إياها والده ( الصبر...)  لكنه لم يقل إلى متى؟ حتى بعد أن مات أبوه سيظل صابرا؟

أقصى ما تمناه لأبيه أن لو كان مات على سرير بمستشفى أو في بيته بين ابنائه مكرما..لا أن يموت طالبا الهواء و العلاج في ساعته الأخيرة وقد منعوه كل شيء حتى صعدت روحه إلى بارئه..

ترى لو كان حاول هو وإخوته بطرق أكثر حدة أو طرق أكثر استعطافا أو برشى؛ لكان نصيب والده ميتة أكثر رحمة من تلك؟
لقد حاول هو وإخوته أن يطرقوا كل الأبواب لشهور دون فائدة. استرحموا أطباء و استعطفوا من بيده الأمر في النيابة و تذللوا لمسئولي السجن...
لكن بدا لهم من بعد محاولات و طرق لكل الأبواب أن هناك تعاونا و اتفاقا بينهم..كان اتفاقا خفيا و هو ألا يمنحوا مريضا حقا في العلاج إلا في أضيق الحدود كأن  دورهم هو القتل المقنع عبر وظائفهم و مناصبهم لا الحياة أو العدل.

و ساءت الأمور فوصلوا إلى سبعة مرضى في سبعة أيام، وهم بهذا قد حققوا اتفاقهم الخفي كما يظنونه. ربما كان هناك رهانا بينهم من يتسبب في قتل عدد أكبر من المعتقلين؟ أكان الرابح الأول هو ذلك الطبيب؟ أم السجان؟ إنهم جميعا مشتركون و يستوون في الإثم كالشياطين التي تغوي لا فرق بينها.
ربما يكون الرابح الأول هو طبيب السجن الذي تسبب في أول مقتلة بفشل كلوي حاد لمعتقل داخل السجن، حيث منع العلاج عن معتقل طبيب صيدلي احتبس فيه البول لأيام دون علاج حتى مات. كثير لم يصدق أو يتخيل هذا الحدث. و هكذا بدءوا في التفنن في قتل العشرات حتى قاربوا المئة.. و من المعتقلين المرضى من ينتظر دوره في الموت البطيء بدلا من العلاج و المعاملة الانسانية.
ربما يكون الرابح الفاشل هو ذلك الجندي الذي صرخ في وجه معتقلي عربة الترحيلات صراحة (اه احنا عايزينكم تموتوا)..لقد فضح اتفاقهم علنا في بداية لعبة شطرنج القتل..لقد كان غبيا لكنه كان قاتلا مجرما ويستحق شيئا اسمه (القصاص). 

يظنون أنهم في خفية عنا؟ هل يعتقدون أننا لا نعرف حيلهم ودورهم المرسوم بدقة في قتل المعتقلين ببطء وبتراخ مسبق بين مسؤولي السجن وبعض الأطباء و النيابة؟ يالعقولهم، نحن نعرف يا أيها القتلة الأغبياء..هل تعتقدون أيضا أن الله لا يعرف فعلتكم الشنعاء؟
نحن نبحث فقط عن ذرة من الرحمة في قلوبكم..عن قدر من التعقل في تفكيركم الجهنمي..و لم نجد.
مات والدي...نعم، مات والدي في السجن. بل مات في البقعة المظلمة الضيقة ورفاقه يحركون الهواء مستجلبين له بضع نسمات؛ لعلها تروح عنه..مات و لم أسأل بماذا كان يفكر في ساعته الأخيرة وحده.. هل ظن أننا تخاذلنا عنه أو تلكأنا في إنهاء الأوراق المطلوبة؟ ربما ظن بنا ذلك؟ ألم يدع لنا بالرحمة؟ هل أدرك أنه ميت لا محالة ساعتها فغفر لنا و غفر أيضا لكل من ظلمه؟ هل غفر لمن قتلوه عمدا لعل الله يهديهم بعد موته فيكون قد تصدق عليهم؟

مايؤلمني أكثر أن القتلة حين عرفوا أنه ميت ويحتضر لم يحزنوا لفعلتهم ولم يشعروا بوخز ضميرهم رغم أنه كان يدعو لهم بالهداية و عفا عنهم كما ألمح في زيارتنا الأخيرة له.
يؤلمني أكثر و أكثر أنهم تعمدوا نقل جثته على أنه ما زال حيا ليدللوا زورا على أن ميتته كانت خارج السجن بأقرب مستشفى. لم يحترموا جثتك و لا حرمة الموت..ظلموك يا أبي حتى و أنت ميت.
كيف استحل طبيب المستشفى الذي أدى قسما يوما ما أن يمثل دور المعالج لجثة توقفت عن الحياة لساعة أو أكثر و هو يعلم أنه ميت؟ لماذا يكتب تقريرا يشاركهم في جريمة القتل؟ لماذا لم يكتب الحقيقة؟ لقد كان أمرا مرتبا إذن... أو ربما هددوه؟  هل كان يشعر أنه يخدم الوطن بهذا الفعل الدنيء؟ أم كان يخدم الحاكم الظالم؟ لعله كان خائفا! ألم يرغب في إلقاء نظرة إلى جثة أبي و هو يكتب تقرير الزور؟ ربما نظر إليها من باب الروتين قبل أن يخط تقريره اللعين الذي أضاع حق أبي و منح السجان تبرئة من تهمة إهمال حتى الموت داخل السجن..فقد كتب أنه حضر وقدمت له الإسعافات الأولية لكنها لم تنجح فمات..هذا هو مختصر التقرير اللعين. 

ألم يلحظ إمارات الرضا على وجه أبي تستوقفه...إمارات الذبول على مر شهور في سجنه. و أريد أنا أن أتذكره وهو باسم و صابر..لكن وجهه وهو ميت يكاد أن يستصرخني أن اكتب كل هذا..عما رأيت و ماعلمت..عن هؤلاء الذين يقتلون في غياهب السجن.
يستصرخني وجه أبي لأقول لكم كل ما أعرف عن كل قتيل...عن سبعة قتلى..في سبعة أيام.. سبعة قتلى..في سبعة أيام..

 أوقفوا هذا البندول الذي يدق في رأسي..أوقفوه..أوقفوا هذه المجزرة.





Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...