بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، أكتوبر 30، 2015

مما قرأت: الحب الحقيقي للدكتور عادل صادق - رحمه الله-


قد يبدو ظاهرياً أنك اخترت بإرادتك أن تحب ، ولكن في حقيقة الأمر أن الحب هو الذي اختارك وذلك لأنك أهل لأن تحب وأن تكون محبوباً ، أي لتخوض أعظم وأعمق تجربة إنسانية وهي الحب .
والقادرون على الحب الحقيقي قليلون مثل كل شيء ثمين ، الحب يحتاج إلى مؤهلات معينة ، سمات خاصة في الشخصية ، ومعظمها سمات ومؤهلات يكتسبها الإنسان من الأسرة والمجتمع أي البيئة المحيطة وصفات شخصية يكتسبها بنفسه ، ”  قبل أن تبحث عن نصفك الآخر تأكد أن نصفك الأول مكتمل ”
وإذا فَهمنا طبيعة الحب الحقيقي ، فإننا نستطيع أن نتوقع تلك السمَات التي تؤهل أي إنسان ليخوض هذه التجربة السامية .
الحب الحقيقي ليس هزلاً ، ليس عرضاً مؤقتاً ، ليس ميلاً عاطفياً مجرداً ، ليس نزوة ، ليس رغبة ، ليس عبثاً ، ولكنه تجربة استيعابية شاملة مركزها جوهر الإنسان وذاته ووعيه ، مركزه الباطن وتشمل كيان الإنسان كله أي الفكر والوجدان والسلوك.
ولذلك فجوهر تجربة الحب الحقيقي هو الصدق ، وإذا كان الموت هو الحقيقة المؤكدة الماثلة أمام أعين البشر ، وتؤثر تأثيراً ضخماً في حياتهم ، وهي ذات مغزى ، فإنه على الطرف المقابل يأتي الحب الحقيقي ليصبح هو الحقيقة الأخرى المؤكدة والتي تؤثر في حياة البشر تأثيراً ضخماً وتحمل أسمي وأقوي المعاني .
إذن فالحقيقتين الثابتتين في وجود الإنسان هما الحب والموت ، مركز الحياة ، ومعني الحياة ، يحددان مصير الإنسان ويشكلان وعيه ورؤياه وفلسفته ويؤثران على إدراكه وفهمه وسلوكه ،لحظة الحب الحقيقي هي لحظة الصدق ، ولحظة الموت الحقيقي هي لحظة الصدق .
ولهذا فإن تجربة الحب الحقيقي لا يقوي عليها إلا إنسان صادق ، هذا هو الشرط الأول والأساسي ، الحب الحقيقي يدل على صدق الإنسان الذي يعايشه ، والإنسان الصادق يدلل على أن حبه هو حب حقيقي ، لا يمكن لكاذب أو مخادع أو منافق أو غشاش أو نصاب أن يعيش تجربة صدق ولا يمكن للتجربة الصادقة أن تتحقق من خلال كاذب أو مخادع أو منافق أو غشاش أو نصاب .
وإذا كان جوهر الحب الحقيقي هو الصدق فإن جوهر الصدق هو الصدق مع النفس ، إن الصدق مع الذات هو أسمي وأعلي مراتب الصدق بل هو قلب الصدق ، فلا صدق بدون صدق مع الذات ، والصدق مع الذات يتطلب وعياً ، نضجاً ، استبصاراً ، شجاعة ، خبرة ، ثقة بالنفس ، فالصدق مع الذات هو القوة الحقيقية ، رمز القوة في الإنسان ، من هو أقوي البشر ؟ إنه الإنسان الذي يتمتع بأكبر درجات الصدق مع الذات ، إنها البصيرة ، القدرة على النفاذ إلى الداخل ، السيطرة الكاملة على الوعي ، الفهم الحقيقي ، إنه التحرك من الداخل إلى الخارج ، من المركز إلى المحيط ، من القلب إلى الأطراف ، من الباطن إلى السطح ، وتلك هي الحركة الطبيعية في الكون كله ، وذلك هو الناموس الطبيعي الذي حدد الله به علاقة الأشياء ببعضها وعلاقة كل شيء مع نفسه .
وهذه هي الصورة المثلي الطبيعية التي صيغ الإنسان عليها ، أن يكون له وعي وحين يكون هذا الوعي صادقاً فإنه يحدد حركة الإنسان الطبيعية في الحياة بأن يكون هو مركز هذه الحركة .
وبذلك يكون هذا الإنسان منسجماً مع كل ما هو طبيعي وصادق في الحياة ، ولهذا لا نتوقع منه إلا الصدق ، ولهذا فإنه في لحظة ما يستطيع أن يٌحب ، أن يختاره الحب حين يمهد له اللقاء مع ذات إنسانية أخري تتحرك هي أيضاً من وعيها الصادق ، وبذلك يكون الحب الحقيقي التقاء ذاتين ، التقاء وعيين  .
لا يمكن أن يتحقق حب حقيقي بين اتنين إلا إذا تحرك كل منهما من الداخل ، من مركز الوعي ، أي لا بد أن يكون كل منهما صادقاً مع ذاته أولاً ، وبذلك يتحرك كل منهما نحو الآخر ، كأن يداً خفية تدفعه ناحية الآخر ، يتحرك بحدسه ، بإلهامه ، بقوة غير مرئية ، روحه أو بصيرته هي التي تقوده .
إن لحظة الصدق التي يشعرها كل منهما ناحية الآخر في لحظة اللقاء الأول أو في هذا الجزء من الثانية هو الذي يحدد مسار العلاقة بعد ذلك وهو الذي يجعل كل منهما يتوقف عند الآخر ، يندهش ، ينبهر ، تتحرك كل أجهزته تهيؤاً للحدث العظيم ، يشعر أنها أهم لحظة في حياته ، بل أخطر لحظة في حياته ، منعطف هام ، نقطة تحول جذرية ، يري أن المستقبل الحقيقي يبدأ من عند هذا الجزء من الثانية ، إنها لحظة كشف ، وتتسلط الأنوار كلها عند هذه البقعة من وعيه ، ويقترب دون خوف بجرأة قد تكون غير معتادة ، بثقة ، بتحد ، بشجاعة ، لا يمكن أن يترك هذه اللحظة  من الزمان تفلت منه ؛ لأنه يريد أن يربطها بكل لحظات حياته المستقبلية ، وذلك تأكيداً للصدق ، لصدقه ، أي لتحركه من مركز وعيه ، فالصدق يجعله شجاعاً ، جريئاً ، واثقاً .
في اللحظة الأولي أو في هذا الجزء من الثانية ينتابه شعور الفرحة ممزوجاً بالطمأنينة ، ويندهش حين يتولد لديه شعور آخر غير المفهوم بأنه يعرف هذا الإنسان من زمن بعيد ، ألفة وطمأنينة غريبة يشعرها مع هذا الغريب الذي لم يكن يعرفه من قبل والذي التقي به منذ لحظة واحدة ، ويتولد لديه شعور آخر أكثر غرابة بأنه سوف يظل يعرف هذا الإنسان بقية حياته من خلال علاقة قريبة جداً
ولذلك ، فإننا حين نقول لإنسان انضج فهذا معناه ، كن نفسك ، وهذا معناه أيضاً : كن صادقاً مع ذاتك  ، أي تحرك من داخلك ، تحرك من صميم ذاتك ومن مركز وعيك بفهم كامل وبصيرة ، بذلك تكون ناضجاً ، أي مؤهلاً للحب الحقيقي ، أي تكون إنساناً حقيقياً .
الإنسان الحقيقي هو الإنسان القادر على الحب ، هو الإنسان المؤهل لأن يحب وأن يكون محبوباً أما الإنسان المزيف فهو غير قادر على الحب ، ليس مؤهلاً لأن يحب ، قد ينخدع بمظهره إنسان بسيط فيعجب به لحين ، وقد يخدع هو الآخرين بعواطف زائفة ، ولكنه سرعان ما ينكشف أمره ، ولهذا ينتقل من علاقة إلى علاقة تحت مسمي الحب ، ولكنه حب زائف ، هو لا يستطيع أن يحب ؛ لأنه لا يستطيع أن يعطي نفسه بالكامل ، في الحب الحقيقي فإنك تعطي نفسك بالكامل لمن تحب أي تهبه حياتك .
الإنسان الحقيقي المؤهل للحب هو إنسان كريم سخي معطاء ، سعادته الحقيقية في العطاء ، الإنسان البخيل هو إنسان أناني نرجسي (النرجسية تعني حب النفس ) ، والأناني لا يحب ، والنرجسي لا يحب ، الأناني النرجسي يريد كل شيء لنفسه ، ولا يري إلا نفسه ويريد أن يٌسَخر الآخرين لخدمته ، لا يأبه لمشاعر الآخرين وآلامهم ، ولذلك فهو معزول نفسياً ، لقد أقام جداراً صلباً بينه وبين الآخرين ، بينه وبين جيرانه وزملائه وأقاربه ، ولذلك فهو غير مؤهل وغير مدرب ؛ لأن يلتقي بتلك الذات الإنسانية التي تجبره على هدم ذلك الجدار الذي يفصله عن الناس ، وهو غير قادر علي أن يثير الحب في صدور الآخرين .
هناك بشر يملكون هذه المقدرة العجيبة على تحريك مشاعر الآخرين إيجابياً تجاههم ، قادرين على تحريك العواطف ، قادرين على إشعال نار الحب في قلوب الآخرين ، نور أو قل إشعاع يصدر عنهم ، هالة طاقة تحيط بهم ، سر غامض لا تستطيع أن تدركه أو تفسره . يجعلهم يستقرون على مقعد قلبك الرئيسي ، بمجرد أن تراهم وربما لأول مرة ، بينما الأناني النرجسي يفتقد هذه المقدرة تماماً ، قد يثيرك جماله ، وقد تعجب بنجاحه ، وقد تنبهر بذكائه ولكنه أبداً لا يحرك قلبك .
والإنسان الكريم لا يكون كريماً مع حبيبه فقط ، ولكن الكرم والعطاء أسلوب حياة بالنسبة له ، فلسفة خاصة ، هكذا هو من قبل أن يلتقي بمن يحب ، وهو موقف قائم على الإحساس بالآخرين ، الإحساس بالبشر والشعور بالمسئولية تجاه الإنسانية عامة ، إنه يشفق ويعطف من قبل أن يعرف الحب طريقه إلى قلبه ، وهو أيضاً يحترم الذات الإنسانية ، ينظر إلى البشر على أنهم ذوات حرة مستقلة تحمل نزوعاً للخير يفوق نزوعها للشر ، ولذلك فقدرته على التسامح عالية ، لا ينصب نفسه قاضياً أو جلاداً ، ولا يترفع أو يتعالي أو يتكبر ، ولهذا فالتواضع من صميم صفاته ، المتكبر لا يستطيع أن يحب ، والمغرور لا يستطيع أن يحب ولا يستطيع أحد أن يحبه ، إنها صفات تزيد من الهوة والحواجز التي تفصل بين نفوس البشر .
الإنسان المؤهل للحب لا يتمادي في عداء ، ولا يلجأ إلى العنف ، ولا يخطط لإيذاء ، ولا يسعد بمصيبة آخر ، ويَهب عن طواعية وطيب خاطر لمساعدة من يحتاجه أو من يلجأ إليه ، ولهذا فهو يتسم أيضاً بالشجاعة ، شجاعة مصدرها قوة إيمانية ، إيمانه بالله ، ولهذا فهو يحب كل مخلوقات الله ، ويتعاطف معها ويحترمها ، ولذلك يهتم بأن يكون له دور إيجابي في الحياة ، يرفض أن يكون سلبياً ويرفض أن يكون عاطلاً ويرفض أن يكون متجمداً فهو إنسان نشط ، إنسان منتج ، إنسان يعمل ، حركة للأمام ولأعلي ، حركة إيجابية هادفة ، ولذلك فهو حين يحب فإن حبه يكون حقيقياً .
فالحب الحقيقي ليس مجرد هوى وميل وانجذاب وتعلق وعاطفة ، الحب الحقيقي هو موقف واتجاه حركة وفعل واطمئنان روح والشعور بالأمان ، حب يمتد نحو العالم .
عالم الحركة والفعل والفكر ، الحب الحقيقي يشمل بناء الشخصية ذاتها وارتباطاتها بعالمها المحيط ، الحب الحقيقي الصادر عن إنسان حقيقي هو فعل إبداعي ؛ لأنه يتضمن ارتباطاً روحياً عميقاً بذات أخري تتمتع بالنضج قادرة علي العطاء المطلق والإحساس بالمسئولية واحترام البشر والتعاطف معهم ، ذات مؤمنة متواضعة شجاعة .
هذا هو مفهوم النضوج والذي يجعل الإنسان صادقاً يتحرك من جوهر ذاته ، أي إنسان حقيقي ، إنسان يتمتع بصفاء روحية سامية تتضاعف عشرات المرات ، وتتأكد وتٌثمر حين يلتقي بنصفه الآخر ، توأم روحه ، فيتاح حينئذ لفيض الخير الذي بداخله أن يجد من يتلقاه كالنهر السخي الذي لابد أن يجد أرضاً صالحة طيبة تتشرب مياهه وتزدهر بها ، ولذلك فالحب الحقيقي هو خبرة إبداعية ، والمحب هو أقرب إلى الفنان ، أو هو عاشق للفن ، والفن عنده أسلوب حياة ، إن تناوله للحياة هو تناول الفنان الذي يعطي كل اهتمامه لفنه ، عمله حتى وإنه كان بسيطاً يحيله إلى فن ، يؤديه باستمتاع وإتقان وإخلاص ويضفي عليه لمسات الجمال .
حواره فن فهو لا يتلفظ إلا بكل ما هو جميل ، ذات معني ومضمون إنساني فكري حتي وإن كان متواضعاً عمله وثقافته . علاقاته بالآخرين من أغراب وجيران وزملاء وأصدقاء وأقارب فيها فن أيضاً ، فهي علاقات تتسم بالبراءة والبساطة ، والتلقائية ، والمباشرة والبعد عن سوء الظن وافتراض الخير كأساس لكل علاقة إنسانية ، فن يتبدي بوضوح في مودته التي تصبغ كل علاقاته الإنسانية بكل الطبقات الاجتماعية . وهو يتخير الأخيار لصحبتهم : لا تقوي روحه على مصاحبة خبيث ، أو مخادع  ، أو منحرف ، أو متكبر ، أو أناني ، الإنسان الحقيقي يحيط نفسه ببشر حقيقيين . والإنسان الحقيقي هو الإنسان القادر على اتخاذ قرارات حقيقية ، أي القرارات الصادقة ، الحقيقة والصدق ، وجهان للشجاعة ، إذن هو إنسان حقيقي ، أي صادق ، أي شجاع .قراره حقيقي أي صادر منه هو من داخله ، من بؤرة ذاته ، وعين عقله ، وقلب باطنه ، دون أن يخضع لأي مؤثرات خارجية ، ولهذا فاختياراته حرة مطلقة ، هو يتحمل مسئولية اختياراته ، ولهذا لا يتنازل عنها بسهولة إزاء صعوبات أو مشاكل تواجهه . أما الإنسان المهزوز الذي يبني مواقفه وقراراته على آراء الآخرين ، وتكون اختياراته خاضعة للإيحاء من الآخرين ، فإنه يتنازل عنها بسهولة ، ينقلب إلى النقيض في ثانية ، يتراجع عن قراراته ومبادئه ؛ لأنه يعرف أنها غير حقيقية وغير صادقة ،  أي ليست نابعة من ذاته ، ولهذا فالإنسان الحقيقي يدافع عن حبه ، يحافظ عليه ، يناضل من أجله ، ولذا فالحب الحقيقي يستمر مدي الحياة ، أما الحب الزائف فهو حب مرحلة ، متقلب ، متغير ،هو الحب الذي من الممكن أن ينقلب إلي كراهية ، أو إلي تبلد تام للمشاعر علي أقل تقدير . والإنسان الحقيقي بالرغم من أنه يتغير بمعني أنه يتطور وينمو ويزداد وعيه بصورة مستمرة ، بل هو حريص على التطور إلا أن مبادئه الأساسية ثابتة ، جوهره ثابت ولذا فحبه ثابت ، فهو إنسان مؤمن بنفسه ، ومؤمن بمن يحب ، وهو حين اختار فإنه قد اختار بإرادته الحرة ، اختار من صميم ذاته وروحه ، ولهذا فهو سيد قراره . قرار اتخذه بوعيه الكامل ، أي يعرف كيف اتخذه ، يستطيع أن يلمس ذلك في أعماقه ، يعرف تماماً أنه صادر من أعمق أعماقه ، ولهذا فهو يتحمل كافة المسئوليات المتعلقة بهذا القرار ، ولذلك من النادر أن يستشير أحداً إذا واجهته صعوبة أو مشكلة ، ومن المستحيل أن ينصاع لرأي أحد يختلف مع رأيه أو يطلب منه التنازل أو التراجع عنه ، ولهذا فهو قد يتهم بالعناد أو بالضعف ، والحقيقة أنه ليس كذلك ، فالتصميم على الرأي ليس عناداً بل إيماناً ، وعدم القدرة على التراجع عنه ليس ضعفاً بل قوة . والقرار الحقيقي يصدر عن شيئين : إلهام داخلي ، وفهم للذات والموضوع ، فالإنسان الحقيقي ؛ لأنه يتمتع بالصفاء ، فإن له بصيرة أكثر عمقاً ووعياً ، يعتمد على حدسه ، يهتدي إلى الطريق بفعل ضوء داخلي صادر من مكان ما في أعماق باطنه ، وهو يثق في هذا الإلهام وهذا الحدس ويمشي وراءه بثقة ويؤمن به عن إقتناع ، قد يبدو هذا اقتناعاً غير موضوعي ، ولكنه في الحقيقة يمثل قمة الموضوعية ؛ لأن ذلك هو جوهر حياة الإنسان ، حياة باطنية وحياة خارجية ، حياة روحية وحياة مادية ، واقع ملموس وغيب غير مرئي ، وكلما كانت النفس مؤمنة صافية عامرة بالحب خالية من الحقد والحسد بعيدة عن الشر ، قريبة إلى الخير والصفاء والتواضع ، كلما كانت أقدر علي الاستشفاف والإدراك الخفي والرؤية الباطنية . ولهذا فإن الإنسان الحقيقي حين يحب يدرك حقاً أنه يحب وأن حبه حقيقي ، لا أحد يدله على ذلك ، إنه يهتدي بنور داخلي يصدر من مكان ما في أعماقه ، وهو يفهم ذلك تماماً ، أي يفهم نفسه وذاته .
وهو أيضاً قرار مبني على فهمه للإنسان وللموضوع ، أي للواقع المحيط ، فرؤياه ثاقبة مبنية على خبرة بريئة ، والخبرة البريئة هي القادرة على رؤية العلاقات الصحيحة بين الأشياء ، أما صاحب الخبرة الخبيثة أو المبنية على خبث أو التي أكسبت الإنسان خبثاً وسوء نية فإنها تري العلاقات مضطربة ومعوجة ومنحرفة ولهذا تكون علاقاته بالعالم الخارجي مبنية على الشك وسوء النية ، ولهذا فهي علاقات مضربة قلقة وتسبب ألماً وتزيده حيره وعداوة .
الإنسان الحقيقي يدرك أن قراره قرار صحيح ، وأن اختياره اختيار حكيم ، ولهذا يشعر بالطمأنينة الفرحة ، وتلك هي المشاعر المباغتة التي تنتاب الإنسان حين يلتقي بنصفه الآخر وتوأم روحه للمرة الأولي ، ولهذا يشعر بسعادة طاغية خالية من الخوف وبعيدة عن الشعور بالذنب ، سعادة تجسد حريته المطلقة ، أما الإنسان غير الحقيقي فهو عبد ذليل خائف ولهذا فهو لا يثير حباً ولا يحظي بحب .
وفي النهاية يهتف الإنسان الحقيقي  صاحب القرار الحقيقي من أعماقه : أنا حر .
إذن الإنسان الحقيقي هو إنسان حر ،شجاع ، قوي ؛ ورغم قوته فهو متواضع ، وتواضعه هو مصدر رحمته ، وتلك هي الشخصية الثرية السخية اللامحدودة الطموحة ، أما الإنسان الزائف هو إنسان  فقير ومحدود ، ليس فقراً مادياً ، ولكن فقر في الشخصية ، لا يستطيع أن يبتعد خارج حدود ذاته ، ولهذا من المستحيل أن يلتقي مع جوهر ذات أخري .
وصحبته دائماً من الأشرار السيئين ؛ لأنهم يتكلمون لغة مشتركة ، مع السيئين يشعر بعد التهديد ، لن يهدده أي حصار عاطفي ، الإنسان الزائف يخاف من حب الآخرين ويخاف من نفسه ، يخشي أن يقع في الحب ، وهو في الحقيقة لن يحب ؛ لأنه غير قادر على الحب ، وإذا تعلق بإنسان من الجنس الآخر ، فهو تعلق مادي ، مال أو جنس ، نفع أو شهوة ، أي قمة الفقر والزوال ثم الحسرة والندم هم أقرب أصدقاء حياته .
د.عادل صادق

السبت، أكتوبر 17، 2015

حاجتنا إلى ثقافة اجتماعية - مي زيادة


في ذكرى الأديبة الرقيقة (مي زيادة).. كنت قرأت لها عدة كتب و عنها عدة كتب و رسالة بحثية..وددت لو 
أني اكتب عنها شيئا ينتصر لها في ذكراها..لكن لضيق الوقت، كان الأفضل هو إعادة نشر إحدى مقالاتها لكم


حاجتنا إلى ثقافة اجتماعية
مي زيادة - مجلة الهلال - يناير ١٩٤٠ 



المغزى الأدبي يتلخص عادة في الجزء الأخير من الكلام، وعند فصل الخطاب، أما في هذا الموقف فقد كان الديباجة المشرقة. أي شيء أدل على الثقافة الاجتماعية المكتملة من تعضيد الغريم للغريم في سبيل المصلحة العامة؟ هذا هو الدرس الأدبي الذي ألقاه علينا عدوي الحميم وغريمي القديم الدكتور أمير بقطر.

بالأمس — قبل خمسة أو ستة أعوام — خاصمني خصومات طنانة رنانة في سبيل المصلحة العامة، وها هو ذا اليوم، في سبيل المصلحة العامة، يشرِّفني بترؤس هذا الاجتماع، ويستقبلني بهذه الكلمات الطيبة؛ إني أمحضه الشكر خالصًا، وهذا الترحيب عندي آثر ما يكون من هذا الأديب الذي جمع أدبه بين جمال المثل الأعلى وحيوية الواقع المحسوس، من هذا العالم العالمي بأسلوب التفكير، بسعة المدارك، بغزارة المعارف، برحابة الإحاطة، المصري الوطني بالغيرة والهمة، ببراعة الإجمال، بتعيين الأهداف، بإحكام التحقيق، من هذا القائد الذي يسير بفيالق الناشئة المصرية إلى أفق يتلاقى عنده جلال الماضي ومجد المستقبل.

أيها السادة والسيدات

صيحة الإصلاح الاجتماعي في مصر سارت والصيحة السياسية جنبًا إلى جنب، وكان في مصر أبراج ثقافية تقوم وسط الزعازع، وتظل في نفس الوقت بعيدة عنها، وفي مقدمة تلك الأبراج هذه القاعة التذكارية.

من على هذا المنبر المضياف، بين هذه الجدران الصامتة، انطلقتْ وما زالت تنطلق أصواتُ نفر من خيرة أبناء البلاد وبناتها، متحدثة في جد ورصانة وحمية عما بقي على مصر — بعد نجاحها السياسي — أن تحققه في مختلف نواحي الحياة القومية، وأظن أن في هذه القاعة وبمساعي قسم الخدمة العامة تكوَّنتْ أول جماعة مصرية غرضها إصلاح القرية وتحسين شئون الفلاح، ومن هنا مضى أول فوج من فتيان مصر ينشرون دعايتهم بالقول ويحققونها بالعمل، لإنصاف أولئك المحسنين الصامتين الفلاحين، الذين بعرقهم وبدمهم يغذُّون الحياة المصرية.

فهل من عجب — والحالة هذه — أن ألقي السلام على هذه القاعة الغنية بالتيارات الفكرية والدوافع الحيوية، بعد الغياب عنها أربعة أعوام؟ ولا أشك في أنكم تشاركونني في توجيه الشكر والتهنئة إلى عميد قسم الخدمة العامة الدكتور ويندل كليلاند؛ الشكر لما أسدى وما فتئ يسدي من خدمات، سواء بالتدريس والكتابة والإشراف على قسم الخدمة العامة، ومعاونة وزارة الشئون الاجتماعية بعلمه وخبرته وسديد رأيه. والتهنئة لأن جهوده صادفت نجاحًا، وكانت ذات أثر محسوس في تكوين هذه الحمى المتفشية لطلب الإصلاح والسعي إلى تحقيقه. إن ارتفاع درجة الحرارة في مثل هذا الباب لهو الصحة بعينها، إني أتهم الدكتور كليلاند بإلقاء القنابل الممغنطة ووضع الألغام الديناميتية في المجتمع المصري! بَيْدَ أن هذا الصنف من الألغام والقنابل يوافق عليه قانون الجنايات وقانون الأحكام العسكرية، وترحِّب به وتنشِّطه الحليفة العظيمة وكل أمة أحبت مصر في ماضيها، فتمنت لها مستقبلًا حقيقًا بذلك الماضي المجيد.

ولما كان التبادل أساس الحياة، تحتم أن يكون لصاحب الفضل مَن هو ذو فضل عليه، وهنا نذكر السيدة المثقفة اللطيفة مسز كليلاند التي تمكن قرينها الفاضل من التفرغ لأعماله المفيدة، ونذكرها بالحمد لأنها شأنها شأن بنات مصر، متطوعة لخدمة الجمهور والقيام بأعمال التمريض والإسعاف العام، وهي إلى ذلك سيدة بيت مثلى، تُحسِن إدارة المنزل وتنشئة الأطفال، وتتقن طهي صنوف الطعام بما فيها صينية البطاطس بالفرن، هذه الصينية التي دخلت في التاريخ. شئون يراها البعض حقيرة تافهة، غير أن المرأة المصرية الناهضة التي جمعت بين الثقافة الفكرية والروح الاجتماعية تتقن معالجتها، وتدرك أهميتها؛ لأنها الشرط الأساسي لصحة المجتمع وراحته وهنائه.

أما وزارة الشئون الاجتماعية فلئن تراكمت عليها التبعات والمطالب والاقتراحات، وهي بعدُ وليدة، فذلك دليل على أن وجودها كان ضروريًّا، وهي بعدُ وزارة «سمباتيك»، ونحب أن تكون صلة بين المجتمع والحكومة، ولئن كانت أفقر الوزارات، فلنذكرن أن الثروة لا تقوم بالمال فقط، بل بالمال وبالرجال وبالهمم، بحسن تشخيص العلل الاجتماعية، وبحسن التدبير في تقديم الأهم على المهم، والمهم على الإضافي في تطبيق الدواء.

أيها السادة والسيدات

في البلاد كثير من المدارس والمعاهد العلمية، فماذا تكون هذه الثقافة الاجتماعية التي نحتاج إليها؟

إن الثقافة المدرسية والجامعية بمختلف فروعها ودرجاته، مهمتها إعداد الأفراد لمزاولة حرفة أو مهنة أو عمل، وهي مهمة لا مندوحة عنها في تكوين الشخصيات الفردية، ومن ثَمَّ صنوف ثقافية شتى حكومية وقانونية، وطبية وزراعية وتجارية وصناعية، وميكانيكية وعسكرية وأدبية وفنية، إلى آخر ما هناك، والمفروض أن كلًّا من هذه الثقافات تتناول أهم الموضوعات والأساليب المطلوبة في نوع العمل، وقد يكون بعد هذه — أو إلى جانبها — ثقافة شخصية محصنة: كأن يكون المرء طبيبًا ويقرض الشعر، ويحسن العزف على آلة موسيقية وهو تاجر، ويعالج الأدب أو النحت أو الرسم وهو موظف، ملبيًا بذلك داعي الذوق والميل والتطلع، متلمسًا التسلية والترفيه عن النفس وتقضية أوقات الفراغ في نشاط ذكي نبيل، فأين الثقافة الاجتماعية من كل أولئك؟ أَجَلْ، إن كل نوع من العمل لهو عامل من عوامل النشاط العام والتنظيم العام، ولكن الرابطة التي تربط بين صنوف الثقافة وصنوف النشاط، وتنظم اتجاه الرغبات وتنعم جوانب الشخصيات، ما هي تلك الرابطة؟ وكيف تتكوَّن؟

من المهد إلى اللحد يحيط بنا المجتمع من كل جانب، يحيط بنا بحسناته وسيئاته، بقوانينه وعاداته، بعدله وظلمه، برأفته وقسوته، بظلماته وأنواره، بممكناته وحرماناته، لقد اختلط تصرف الكثيرين من الناس في سبيل الثروة والجاه والسلطان. وكم من بطشٍ فظيع! كم من حيلة ثعلبية! كم من إهمال أثيم! كم من ظلم فاحش حتى في مظاهر اللياقات الأنيقة أحيانًا! وحجتهم هو قانون تنازع البقاء وأن الحق للقوة، ولو صح ذلك، فماذا يكون الفارق بين الجماد والإنسان، بين طائفة من الجلاميد المتحاذية في بقعة واحدة من الأرض، وبين جماعات من الناس يعيشون في بقعة واحدة من الأرض؟ لا ضمير للجماد، لا ضمير للنبات، لا ضمير للحيوان، وإنْ نحن وجدنا عند بعض طوائف الحيوان، كالنحل والنمل مثلًا، إلى جانب روح التنافس وتنازع البقاء روحَ التضامن والتعاون، ونظام توزيع العمل. بَيْدَ أن كل أولئك، ومثلهم الطفل والمعتوه والهمجي، رازحون تحت وطأة قانون التنازع، وهم لضغط غرائزهم صاغرون، ولو نحن اكتفينا بما هم فيه، كنا منكرين جهود الإنسان للتحرر من عبودية الغريزة، وما كنا أهلًا لتلك الكلمات المقدسة المرادفة لاسم الحياة، ولا معنى للحياة بدونها كلمات الحق والواجب والحرية! والواقع أن الحرية ليس لها من قيمة أدبية في نفسها، وكل قيمتها في أنها تمكِّننا من التمييز بين الحق والواجب، وتمكِّننا من التصرف الكريم في سبيل الظفر بالحق والقيام بالواجب. كل قيمة الحرية في أنها تمكِّننا من التقدم في سبيل الكمال الممكن، وليس في سبل الكمال من محطة نهائية ثابتة، بل كلما تقدَّمْنا طلبنا المزيد من التقدم، وكلما نشط العلم ونشط الاختراع ونشط الارتقاء، تولدت معها في المجتمع عيوب ملازمة لطبيعتها، فيعمد المجتمع المستنير إلى الإصلاح. وكل ما تفاخر به الحضارة الحقة، كل ما يشرِّف الإنسانية المدركة، هو التغلب على فظاعة القوانين الطبيعية بقوانين منبعثة من الروح الإنسانية، الذي بدونه لا يكون الفرد إنسانًا، ولو هو استحوذ على كنوز العالم وتفوق في جميع المعارف والفنون والكفايات!

أيها السادة والسيدات

الكون كله بشاسع مسافاته وتعدد موجوداته، إنما يحيا بالحركة؛ الحركة هي الحياة، والحركة على ثلاثة أنواع: ففي عالم الجماد ليست الحركة إلا تكرارًا للمظهر، وفي عالم الكائنات الحية تكون نشئًا، حتى إذا ما بلغت مرتبة خاصة من التطور البيولوجي في الإنسان كانت الحركة ما نسميه ضميرًا أو وجدانًا.

الضمير، الوجدان في الفرد يجعله إنسانًا. الضمير، الوجدان في الجماعة يجعلها هيئة اجتماعية. الضمير، الوجدان المشترك بين أهل البلاد الواحدة يجعل تلك البلاد وطنًا، والثقافة الاجتماعية إنما نواتها في هذا الإدراك.

استعملت كلمة «إدراك»، بَيْدَ أن الضمير الاجتماعي ليس محض إدراك، ولا يكفي أن تفرضه قواعد العلم وقياسات المنطق، بل إلى جانب هذه، هو منطلق من القلب الحي؛ من الرغبة الصادقة، من العاطفة المتوهجة. الضمير، الوجدان الاجتماعي يُشعِرك بأنك لستَ وحدك وأنت في عزلتك، بأنك جزء حي من وحدة حية قلبها الرحيب ينبض في قلبك الصغير؛ مرضها مرضك، وسلامتها سلامتك، همها وذلها وضلالها همك وذلك وضلالك، عزها ومجدها وعظمتها عزك وعظمتك ومجدك. المجتمع جسم واحد، والألم ولو في ظفر القدم يكفي لإتعاب الرأس، وتضعضع وظائف الدماغ، واضطراب وظائف سائر الأعضاء بالتبع. الوباء ينتشر أولًا في أحقر الأحياء وأقلها نظافة، فلا يلبث حتى يكتسح القصور، ولو وُجِد في المجتمع جائع واحد لا يدري كيف يجد قوت يومه، فكيف يهنأ الغني بطعامه الفاخر، وكيف يتقلب السري على فراشه الوثير؟ نحن نعلم أن الغني السري لا يخلو من الألم؛ إذ لا بد لكلٍّ من أن يحمل عبئًا من أعباء الحياة، وكلما تقدَّم الإنسان بثقافته وإدراكه، تقدَّمتَ معه على نوع ما صنوفُ آلامه، ولكن شتان بين الحرمان من الضروريات الحيوية الأولية والحرمان من وسائل الرخاء الكمالي! وتقديم المساعدة للمحتاج عملية سحرية تحوِّل عندنا معنى الألم وتجعله نوعًا من الرضى والطمأنينة، والثقافة الاجتماعية تعلمنا كل هذا، وتحملنا على تفهُّم هذه الكلمة البديعة من العالم الطبيعي هكسلي القائل: «تنازُع البقاء هو قانون التطور للحيوان، أما الإنسان فتطوُّره يتم بالتعاون والتعاضد والتضحية عند الحاجة.»

وصل بنا سياق الحديث إلى نقطة غاية في الأهمية، وهي أن الضمير الاجتماعي لا ينفصل عن الضمير الأخلاقي، وأن الثقافة الاجتماعية والثقافة الأخلاقية متمِّمة كلٌّ منهما للأخرى، لتصبح روحًا ذات حيوية دينامتية توحِّد الأفكار والمشاعر والأهداف والمساعي. الأفراد تحيا وتقضي، الأجيال تظهر وتختفي، أما المجتمع فباقٍ، والفرد بحياة المجتمع خالد، والفرد الذي يسعى بنية حسنة ويحكم العمل حيث يجب أن يكون وكما يجب أن يكون، ويساعد إخوانه في حيز مقدوره، فذاك الفرد يكبر في عين نفسه، ويجد في داخل وجدانه حرية أعظم، وثروة أوسع، ويرى العالَم أمامه أرحب، ويحس كرامة السيادة، وعندئذٍ يفهم لماذا قيل «سيد القوم خادمهم».

ولقد قيل كذلك «العمل خير من العلم»، ولكن ليكون عملنا محكمًا لا بد لنا من العلم. إن جميع العلوم والفنون والآداب وُجِدت قبل السسيولوجيا أيْ علم الاجتماع الذي لا يناهز القرنين، ولكن هذا العلم الذي هو أحدث العلوم ما كاد يظهر حتى استوعب في رحابه جميع فروع المعرفة الإنسانية والنشاط الإنساني؛ لأن كل علم وكل نشاط صادر عن المجتمع، ولولا المجتمع والأفراد التي تكوِّنه ما كان علم ولا كان نشاط، كذلك الثقافة الاجتماعية تجمع بين عديد المعارف والفنون لتلخصها روحًا اجتماعيًّا وضميرًا اجتماعيًّا وفائدة اجتماعية، الثقافة الاجتماعية هي علم وعمل، إحساس وتطبيق، رجاء وتحقيق.

نحن نعلم أن المشكلة الاجتماعية تتطلب حلولًا كثيرة، ولكننا نعلم كذلك أن التحسين مهما كان زهيدًا فهو يمهِّد السبيل لتحسين أعظم.

وما هي الوسائل لنشر الثقافة الاجتماعية والروح الاجتماعي؟ هي الوسائل التي نعرفها جميعًا: العائلة، المدرسة، الكتاب، الأدب، الحي المهذب الراقي، الفن، الموسيقى، المعارض، المتاحف، المسرح، الصالون، الأعياد القومية، الرحلات المدرسية، الصحافة، الراديو، السينما. ما أعظم تقدُّم السينما في أيامنا وما أبعد تأثيرها! إنها تأخذ شيئًا فشيئًا بالموضوعات الجادة المجدية، متجردة بطبيعة تقدُّمها من السخافات التافهة، وكم كانت الوزارة موفَّقة في تنظيم الإذاعات المدرسية! قد تفوتني إذاعات المحطة مرات، ولكن لا تفوتني إذاعة مدرسية واحدة؛ لأني أجدها مليئة حياة.

تنشيط الثقافة الاجتماعية وتعميم الروح الاجتماعي أصبح الآن فرضًا على كل ذي نفوذ في أية ناحية من نواحي المجتمع فيساعد كل بما عنده؛ فرضًا على الأغنياء، فرضًا على الأقوياء، على المدرسين، على المثقفين، على المشرِّعين، على رجال الدين، على رجال الحكومة، على كل من يتلفظ بكلمة الوطنية، وما الوطنية في الحياة اليومية إلا عمل منظم عنيد متتابع فعال صامت، أما الوطنية كصيحة حرب، كراية جهاد، كعاطفة مكتسحة، فلها ساعات معينة، وعندما تطغى الكريهة فعندئذٍ يدعو داعي التضحية والاستبسال.

نشر الثقافة الاجتماعية وتكوين الضمير الاجتماعي فرض على تلك الضعيفة القوية؛ المرأة، التي في ألمها وعذابها هي منشئة الطفل، ومهذبة الرجل، وموجدة الروح في المنزل وفي المجتمع على السواء، هي التي تنمي الفضائل الاجتماعية من لطف ومجاملة ولباقة وصبر ورعاية ولين وتسامح ورفق وحنان، هي خالقة الفروسية في الرجال. لا تخافوا أيها السادة الرجال من ثقافة المرأة وحريتها! هي مثلكم حسنة النية، طموح إلى المثل الأعلى، تسير في سبل الحياة باحثة، ضالة، مهتدية، باحثة من جديد لتبلغ الهدف النبيل. إن ارتباكات الحياة لتحيِّر أكبر العقول! منذ سنوات قلائل نالت المرأة شيئًا من الحرية والثقافة، فانظروا كيف ازدهرت مواهبها وتجلت شخصيتها في هذا الزمن القصير! اتركوها تتعرف وجودها، وتستغل لخيرها وخيركم ممكناتها! وثقوا أنها لن تخيب آمالكم فيها! إن أختكم في القومية والإنسانية لا تخون رجالها!

نشر الثقافة الاجتماعية وتكوين الضمير الاجتماعي فرض على الشبان، وهم في البلاد دم وحماسة وحيوية، وذكاء ونشاط وعبقرية، هم الذين يبحثون عن علل الحاضر ليعالجوها، وهم الذين يطلبون طرائف الماضي ليحتفظوا بها ويستنطقوها، وهم الذين يزحفون إلى غزو رحبات المستقبل بعزم الشباب وأريحيته وإخلاصه.

وذلك فرض على أولي الشأن الذين يديرون دفة الحكم، إن في إهمال الألوف بلا تعليم وبلا عمل لَتبذير باهظ في القوى، وغض من حيوية المجتمع، ومظاهر النشاط والتقدم في نواحي الحياة المصرية تحملنا على التفكير: كم ذا تكون النتائج باهرة لو تعلَّم جميع الجهَّال واشتغل جميع المتعطلين؟ إن المجتمع لا يحتفظ بقوة كيانه ميسِّرًا لنفسه وسائل التقدم إلا بضمانة الاحتياجات الحيوية الملحة لجميع الأفراد، بالإنصاف في توزيع الحقوق والواجبات، بتمكين كل فرد من اكتساب حقه بتأدية واجبه، وكما أن حضارة أهل المنزل لا تقاس بالواجهة المزخرفة وبجمال التنسيق في غرفة الاستقبال، فكذلك حضارة البلاد لا تقاس بفخامة بعض الأحياء في العاصمة وبعض المدن، بل تقاس خصوصًا بالحالة العامة في الأقاليم والأرياف، حتى أصغر القرى وأضأل زاوية.

حسن أن تشيدوا القرى النموذجية، وتصلحوا الأراضي البور، وتبنوا المساكن للعمال وتعمموا نشر التعليم، ونود أن تشمل هذه المشروعات الإصلاحية جميع أنحاء القطر، ولكننا نعلم أن كل ذلك يتطلب مالًا وفيرًا ووقتًا طويلًا، وإنه لذلك لا بد من تقديم الأهم على المهم، فنجعل أولًا ماء الشرب خاليًا من الميكروبات في جميع الجهات، ونضمن وسائل المعالجة والتطبيب في كل قرية، ونقدِّم للأطفال الغذاء قبل أن نفرض عليهم التعليم، بل يجب تقديم قوت الأجساد بالتغذية الكافية، وقوت العقول بالتعليم، وقوت النشاط بالعمل، كل هذا للجميع وفي آن واحد، وليس ذلك لينفي وجود المثل الأعلى؛ لأن التاريخ الاجتماعي والسياسي والفكري ليس إلا انعكاسًا للشروط الاقتصادية، وتحقيق العدالة بين الناس يقوم خصوصًا على حياة اقتصادية أوفر عدلًا، وما المثل الأعلى إلا زهرة جميلة جذعها راسخ في الحياة العملية المحسوسة.

حسن أن يَجِدَّ القانون في مطاردة الأشرار وتأديبهم، بَيْدَ أن السجون والعقوبات لا تخنق الغريزة الجنائية، بل قد تقوِّيها. لا إصلاح بدون إعداد الوسط الصالح، الجريمة مغامرة وذكاء ونشاط وقدرة، وقانون التحول هو أقدر القوانين وأفعلها في الطبيعة وفي الإنسان جميعًا، فلو نحن حذقنا سر التحويل بالتربية وبالوسط استخرجنا من شخصيات المجرمين شخصيات عظيمة باسلة.

عدِّلوا برامج الدراسة؛ فبرامج الدراسة كالقوانين مثقلة بالجثث البالية! اعتنوا بالأطفال؛ فالأطفال هم براعم الأمل ووعود المستقبل! حبِّبوا إليهم طور التربية والتعليم، مكِّنوهم من الاستفادة وهم يلهون ويلعبون، وأنشئوهم على حب الجمال وتذوُّق الجمال!

حسِّنوا السلالة المصرية جسدًا وعقلًا! وخير الوسائل لذلك — بعد مراعاة قواعد الصحة والنظافة — هي الخدمة العسكرية والألعاب الرياضية التي هي كذلك خير وسيلة لمكافحة الإدمان على المسكرات، في المدن وفي الأرياف، سوقوا الناشئة إلى ميادين الرياضة، فتزاول الألعاب الرياضية ليس باعتبارها مهنة لكسب العيش، بل باعتبارها لهوًا مشوقًا. إن أمة تتبارى شبيبتها في ميادين الألعاب الرياضية لهي أمة يجري الدم في عروقها نشيطًا، فلا خمول فيها ولا شلل، هي الأمة التي تحسن التنفس وتألف التوازن النفسي والعقلي بالحرص على توازن الأعضاء والحركات، هي الأمة التي تستنكف وسائل الانحطاط؛ لأنها تحس بكرامتها البدنية والأدبية، هي الأمة التي تعتمد على نفسها، وتنشأ على روح الزمالة الصريحة والمباراة النبيلة، هي الأمة الشجاعة، وجيشها هو الجيش القوي المقدام، وهي بكل ذلك سائرة حتمًا إلى مزيد من العافية والجمال الحسي والأدبي.

أيها السادة والسيدات

إن العالم لفي اضطراب لم يعرف له التاريخ من قبلُ مثيلًا؛ أخطار عديدة تهدد الجميع، ولكن الشخصية القوية يرهفها الخطر، ويحفز مواهبها، فلا تطيل التلمس والمحاولة بل تهتدي بسرعة إلى أنجع الوسائل لقضاء حاجتها، وكلما صادفت نجاحًا زادت ثقة بنفسها، واستسلمت لنبيل الانفعالات، فأقبلت عليها نفحات الإلهام من روح الله، من أغوار الوراثات، من مستودعات الأماني والاختبارات، من مستودعات الحضارة الحقة والإنسانية الحقة.

لقد أثبتت مصر وجودها مرة في المسافة والزمن، فكانت مهد الحضارة، وها هي ذي الآن حيال تطور عظيم يشمل جميع النواحي. إن مصر الحديثة فتية بعمر نهضتها، فتية بآمالها، فتية برجالها وبنسائها، فتية بجهودها، فتية بشبَّانها، فتية بمليكها! ولقد أضافت إلى خميرة مجدها القديم خميرة حديثة مقدسة كوَّنَتْها دماء الشهداء، ففي مصر من الحيوية المتجمعة ما يكفي لتُثبِت وجودها مرة أخرى بحضارة جديدة وازدهار جديد.

الجمعة، أكتوبر 16، 2015

مترجم (7) "دَهسُ الحج: كيف تحدث كوارث الحشود، وكيف يمكن تجنُّبها؟"

"دَهسُ الحج: كيف تحدث كوارث الحشود، وكيف يمكن تجنُّبها؟"
ترجمة: د/ حمزة المزيني جزاه الله خيرا على الترجمات 
5/10/2015م


By: Leo Benedictus   
The Guardian
October 3, 2015
 Pilgrims on the Jamarat bridge, which can handle up to 600,000 people per hour. Photograph: Fayez Nureldine/AFP/Getty Images


تأتي القصة التي سأرويها من حضوري احتفال "[الكرنفالي السنوي الذي يقام في لندن المسمى بـاحتفال] نتنج هيلNotting Hill Nفي سنة 1999، ويمكن أن تكون لك قصة مختلفة خاصة بك عن كوارث الحشود، أو عما حدث في ذلك الاحتفال]. فقد كان يوم الاحتفال مشمسا ولم يكن لدينا [أنا وأصدقائي] خطة محددة عدا أن نتجول في الشوارع وأن نستمتع بذلك. وقد وصلنا في أواخر النهار تقريبا إلى ملتقى طرق غاص بطوفان من آلاف الناس. ولم يكن بوسعنا إلا الاستمرار في المسير وسط ذلك الطوفان البشري، كما فعل الناس جميعا.
ثم أخذ الحشد في التزايد الكثيف بصورة تصاعدية قريبا من ملتقى الطرق. ولم نجد أنا وأصدقائي بدا من أن نمشي فرادى الواحد تلو الآخر، وهو ما جعل من الصعب أن يرى بعضنا بعضا. وإذا أراد أحد منا أن يكلم الآخرين فعليه أن يصرخ بأعلى صوته ذلك أن الناس جميعا كانوا يصرخون بأعلى أصواتهم كذلك. ولم يمض وقت طويل إلا وقد وصل الحشد إلى درجة قصوى من التلاحم حتى كان من المستحيل عليك أن تعود أدراجك، بل حتى أن تختار أي اتجاه آخر [لتسلكه]. ووصلت قوة التلاحم إلى مستوى جعلت ذراعيَّ يتثبتان إلى جانبيّ. وقد انحشر رأسي بين [رؤوس] الآخرين بما يشبه تثبيت بيضة في صندوق. ولم يكن بوسعي [أنا وأصدقائي] طوال الوقت إلا الوقوف والانتظار، لكن الحشد كان يندفع بين آونة وأخرى إلى الأمام مما يجعلنا جميعا ننجرف معه. بل كان الحشد يحملنا في بعض الأحيان.
ويبلغ طولي 175 سم تقريبا، وهو ما مكنني من الإطلال على الحشد من حولي بصعوبة. أما قصار القامة فقد انحشروا بين صدور الآخرين وظهورهم، ولم يكونوا يستطيعون النظر إلى شيء إلا إلى قطعة من السماء فوقهم. وكان عدد من رجال الشرطة يقفون وراء الحواجز الجانبية المانعة للتدافع وكانوا يصرخون بعبارات تدعو للأمل مثل: "تحركوا، من فضلكم". وأتذكر أني سألت أحد هؤلاء عند نقطة ما عن المدة التي سيستمر فيها هذا الزحام، لكني لم أتلق إلا صرخة غاضبة منه. ولا أتذكر ما قاله، لكني أتذكر أنه لم يكن متحكما بانفعاله [غاضبا جدا].
وكانت تصدر بين آنة وأخرى صرخة ذعر في مكان ما ثم تتلوها نداءات للتوقف عن الدفع. وكنت أتصور أن بعض الناس أصيبوا بنوبات من حالة الرهبة من الاحتجاز، وهو أمر مفهوم. وكنت أحرصَ ما أكون على أن أخرج، ولم أشكّ قطعا بأني سوف أخرج [سالما من ذلك الزحام الخانق]. ذلك أن فكرة أني في خطر تبدو سخيفة، بل لقد كان بعض الناس يضحكون. [وما يدعو إلى ذلك] أننا كنا في مكان مفتوح. فكيف يمكن لأحد أن يموت بسبب ضيق المكان تحت هذه السماء الواسعة.
ولم يمت أحد بسبب الدهس في احتفال نتنج هيل سنة 1999م، لكني كنت مخطئا في ما يخص الحشود. ذلك أنه منذ 1999م مات نتيجة لحوادث دهس الحشود عشرة أشخاص أو أكثر في حوادث مسجلة مماثلة، أو وقوع حادث واحد [من حوادث الحشود] كل أربعة أشهر تقريبا. فقد حدثت [مثل هذه الكوارث] في جنوب إفريقيا وفي غانا واليابان والولايات المتحدة والصين والهند والفيلبين وتانزانيا وهولندا وألمانيا وكمبوديا والبرازيل ومصر.... إلى غير ذلك، أي في كل مكان من العالم. وقد قضى 935 شخصا في سنة 2005 في حادث وقع على جسر الأئمة في بغداد ـــ وهو عدد يفوق عدد ضحايا أي هجوم انتحاري حدث في العراق. وتبلغ كوارث الحشود المرتبطة بالحج حدا مفزعا. فقد قضى 1426 حاجا دهسا في سنة 1990، وقضى 270 حاجا في 1994م، و118 في الأقل سنة 1998، و35 في 2001، و14 في 2003، و251 في 2004، و3 في 2005، و360 في الأقل سنة 2006م. والأمر الأكثر مفاجأة أن يبلغ عدد ضحايا الدهس في هذه السنة حتى الآن 769 حاجا بعد مرور ثمان سنوات لم يحدث فيها أي حادث دهس أثناء الحج.
والسؤال هو: لماذا تحصل حوادث الدهس الناتجة عن الحشود؟ ولماذا تستمر في الحدوث؟ والجواب عن هذين السؤالين بسيط. فهذه الحوادث ليست كوارث طبيعية. وهي تحدث لأن أحدا لم يعمل على منع حدوثها. بل إن البروفيسور إدوين جالياEdwin Galea يظن أنها آخذة في التزايد. يعود ذلك لأننا نحاول [في العصر الحاضر] القيام بخدمة أعداد تتكاثر من الناس في وقت أقصر، وهو ما يعني كثافة بشرية أعلى، وهي التي تقود إلى تزايد تكرار هذه الكوارث. لذلك يبدو أن السبب الرئيس لذلك يكمن في تزايد العمران والتمدين.
ويستخدم البروفسور "جاليا" ومجموعته المسماة بـ "مجموعة الحماية الهندسية من الحرائق"Fire Safety Engineering Group التجارب عن السلوك والنمذجة الرياضية لفهم الكيفية التي تتحرك الحشود في أوضاع مختلفة. والهدف من ذلك القضاء على حالات الكثافة [البشرية] الخطيرة. وقد قصصت عليه ما حدث لي سنة 1999 في مكتبه الصغير الذي تصطف على طاولة فيه صناديق ملأى بالملفات. وكانت إجابته من غير تردد: "ذلك أمر خطير جدا، ويجب عليك ألا تدخل في مثل هذا الوضع أبدا. يجب ألا يحدث هذا أبدا".
و"جاليا" أسترالي المولد وهو متخصص في فيزياء الفضاء، وكان قد تخصص في الأصل في ديناميات السوائل داخل النجوم. ثم أصبح مهتما بحالات انتشار الحرائق بعد كارثة حدثت في بوابات مطار مانشستر [في بريطانيا] سنة 1985م مات فيها 54 شخصا حين شب حريق في إحدى طائرات البوينج 737؛ ثم صار مهتما بحركة الحشود، وبعد ذلك بسلوك الحشود. وكان يُظن بأن حوادث دهس الحشود تدخل تحت صنف مشكلات دينمايكيات السوائل، لكن ذلك ليس صحيحا إلى حد بعيد. ذلك أنه حين يحتشد الناس بشكل متلاحم جدا فإنهم يتحركون بما يشبه حركة السوائل، لكن فهْمَ ديناميات ذلك النوع من الحشد توحي بأنه لن يستمر على حال آمنة. ففي الوقت الذي يتحرك فيه الناس كما تتحرك السوائل، يكون الأمر قد بلغ حدا بعيدا من الخطورة. إذ تبلغ معرفة ما الذي ينبغي لك أن تقوم به حدا يشبه معرفة كيف ستتحرك طائرة من غير أجنحة [مستحيلة] ـــ إذ يبدو ذلك أمرا لافتا، لكن الوقت ربما سيكون متأخرا جدا [لفعل شيء نحوه].




 وحين لا يكون الحشد على درجة كبيرة من التلاحم ــ أي أن يكون أربعة أشخاص في المتر المربع الواحد ــ يكون لدى الأفراد فسحة لاتخاذ القرارات في هذه المساحة، ولا يتحركون كما تتحرك السوائل. وإذا ما فكرتَ في هذا فالأمر فسيكون واضحا: فليس الناس، لأسباب عدة، جزيئات [فيزيائية]. فأنت لا تذهب للحفلات الموسيقية وحدَك بل بصحبة جماعة وهو ما يعني أنك لا تحاول أن تذهب إلى مكان ما وحسب بل أنك تحاول أن تكون ملازما لمن ذهبت معهم أيضا. لذلك فأنت تلتفت أحيانا حين تفقد شيئا أو تتحرك حين تشاهد صديقا. وتوحي أبحاث "جاليا" أن الناس غالبا ما يكونون هادئين ويتحلون باللياقة ويتصرفون بعقلانية، حتى حين يتعرضون لأزمة، لكن القرارات التي يتخذونها لا تقوم إلا على ما يعرفونه ــ وهو الأمر الذي لا تتوقعه النمذجات [الحاسوبية] المبسَّطة إلا نادرا.
ومن هنا، فبدلا من النظر إلى الناس كأنهم حبات في [رمان بلي]ball bearings [تتحرك باتنظام]، طوَّر "جاليا" وعدد قليل آخر من الباحثين حول العالم برامج لنمذجة الحشود بما تقتضيه طبيعة هذه الحشود نفسها ـــ أي كونهم جمعا من الفاعلين معقدي النوازع، وهو ما يحاكي بشكل أكثر قربا الاختياراتِ التي يقوم بها الناس والحدود التي تحدُّهم. ويفسر "جاليا" ذلك بقوله: "يقوم كل واحد من هؤلاء الفاعلين بالتنفس بنسبة معينة، وحين يكونون وسط حادث حريق يستنشقون منتوجات سامة ويكونون معرضين لوهج الحرارة. ونحن نحسب أثر التعرض لتلك المواد والتعرض لوهج الحرارة على الفرد ونتنبأ به. فيحاول هؤلاء الناس جميعا [في مثل هذه الحوادث] تفادي المناطق الحارة، مثلا. وإذا ما غشاهم الدخان يسقطون على الأرض ويحاولون الحَبْو. . . ". ويبدو هذا الأمر معقدا جدا. ويقول "جاليا": "إنه كذلك".
وقد عرض [جاليا] عليَّ نتيجةَ ذلك على حاسوبه ـــ وتظهر [هذه الحوادث] على هيئة صور محاكية كبيرة، ويمكن الاطلاع عليها في "اليوتيوب" من غير مقابل، وتظهر على هيئة مئات أو آلاف الأشكال على هيئة أعواد تحاول أن تتعامل مع الدهس والحرائق ـــ وأحيانا مع الدهس والحرائق التي حدثت بالفعل. وليس منظرها سارا. وفي إحدى تلك الحالات من المحاكاة يحاول الناس في تجربة "جاليا" أن يهربوا من حريق شب في إحدى الملاهي في ولاية رود آيلاند [الأمريكية] سنة 2003. ويمكن لك أن ترى أن أغلب أولئك كانوا يتركون مخارج الطوارئ ويعمدون إلى الباب الأمامي حيث يحدث الدهس بأقسى أشكاله، مما أدى إلى موت بعض الناس وإغلاق الطريق على الآخرين الذين كانوا يحاولون تحطيم النوافذ، ثم يحاولون الحبو، ثم يموتون. وبعد مضي ثلاث دقائق كان هناك 100 جثة على الأرض، كما كان الأمر في الحادثة الحقيقة نفسها [التي تمثلها هذه المحاكاة الحاسوبية].
وإذا ما زادت كثافة الحشد عن أربعة أشخاص في المتر المربع الواحد، وإذا وصل عددهم إلى ستة على الأخص، فإنهم يصبحون عرضة لنوعين عامَّين من الحوادث. وكلا النوعين مخيف ــ فتنبَّه. ويتمثل النوع الأول في "تساقط الحشد تساقطا مستمرا" وغالبا ما يبدأ [ذلك التساقط] حين يسقط فرد واحد، وربما يكون ذلك بسبب موجة فزع تخترق الحشد، أو بسبب تعثرهم فقط. وهذا ما يؤدي بشكل مفاجئ إلى فقدان [قوة] تحمُّل جسمِ الشخص المتعثر التي كانت تمثِّل سانِدا لضغط الحشد لكن الناس القريبين منه الذين لا يزالون يتعرضون للضغط من الجانب الآخر يقعون فوق المتعثرين، أو يُدفعوا فوقهم في ما هم يحاولون أن يساعدوا هؤلاء المتعثرين. ويؤدي هذا تبعا لذلك إلى خلق هوة ضخمة، وهو ما يرغم مزيدا من الناس على الوقوع فيها، ثم يتكاثر الواقعون فيها ليتكدس بعضهم فوق بعض إلى أن يتوقف الضغط. ويشبه هذا أن تُدفن تحت الأجساد، وربما كانت تلك أجساد أناس تعرفهم. ويحدث الدهس بشكل مستمر غالبا حين يتحرك حشد كبير بشكل ثابت عبر طريق مغلق، مما يرغمهم على المضي قُدما من غير توقف. وتوحي الإشارات المبكرة عن الكارثة التي حدثت في منى أنها كانت من نوع تساقط الحشد تساقطا مستمرا، وهو ما يبدو أن سببه كان التقاء حشدين كان كل منهما يسير في اتجاه معاكس للآخر ــ وهذا ما يجب ألا يسمح بحدوثه أبدا.
ويحدث النوع الآخر من كوارث الحشد حين يبلغ ضغط الناس [بعضهم ضد بعض] حدا يوقف قدرتَهم على التنفس، ثم يموتون بصورة متزايدة نتيجة للاختناق الناتج عن الضغط. وهذا نوع من "دهس الحشود" يقع دائما حين يُدفع مزيد من الناس إلى منطقة مغلقة ــ إما عند دخولهم أو عند محاولتهم الخروج [من تلك المنطقة]. وغالبا ما يكون المتوفون في كوارث دهس الحشود من أولئك الذين يحشرون ضد الجدار. وكانت كارثة هيلزبورو مثالا لذلك، لكن كثيرا من كوارث الحرائق المفزعة كانت من قبيل دهس الحشود كذلك. ومهما تصرفت الحشود بطريقة هادئة لا يمكن أن يتسع لها مخرج ضيق بنسبة معينة. وليس أمام الذين يكونون في مؤخرة الحشد إلا أن يختاروا بين دفع من يكونون أمامهم بقوة أو انتظار الموت. وقد قضى 243 حاجا في سنة 1997 حين تسبب حريق في الخيام بحادث من دهس الحشود.
وعلى الرغم من تعقيدات كوارث الحشود كلها إلا أنها تمثل مشكلة سياسية بالقدر الذي تمثل فيه مشكلة تقنية. ويتمثل أحد ردود الأفعال الشائعة ــ بل إنه الشائع غالبا ــ بالتذكير بالغوغاء الهائجة، أو بالذعر الجماعي. ويعني ذلك اختصارا لومَ الحشد. وهذا ما فعله جهاز الشرطة وصحيفة الصن [البريطانية] عن عمد في حادثة هيلزبورو. وربما يُفترض ذلك في الحالات الأخرى وهو ما يعنيه مُصدِروه. ويمكن للناس الذين لم يروا حالات ذعر قط أن ذلك مما يسهل تخيُّله، بل الواقع أن هذا ما يتخيله الناس جميعا تقريبا لأنهم لا يتصورون أن الذعر الجماعي ممكن الحدوث. بل الواقع أن الاعتقاد بوجود حالات من الذعر الجماعي أمر خطير لأنه يعني أن السلطات تُخفي أحيانا بعض المعلومات المهمة والمفزعة خوفا من تكرار حوادث مماثلة. ويرى "جاليا" أن هذه الاستراتيجية "هراء، وهي هراء كامل". ذلك "أن الأدلة كلها تبيِّن أن ردود الناس ستكون معقولة وسيتعاملون تعاملا معقولا مع هذه الأخبار [السيئة] اعتمادا على المعلومات التي تقدمها السلطات. وأنت لا تريد أن تعطيهم قدرا كبيرا من المعلومات التي لا يستطيعون التعامل معها... لكنك تريد أن تزودهم بمعلومات بسيطة صحيحة يمكن لهم أن يؤسسوا ردود أفعالهم عليها".
وهناك كلمة تحمل كثيرا من اللوم هنا، خاصة في الإنجليزية. ولك أن تذكر كلمةstampede "تدافع" عند "جاليا" وسوف يقابل [استخدامك هذه الكلمة في وصف هذا النوع من الكوارث] باستنكار شديد. فهو يقول: "إن هذا هراء محض. إن سبب [استخدام هذه الكلمة] هو الجهل بعينه، وهو الكسل. . .  إن [هذه الكلمة] تعطي الانطباع بأن هذه الحالة تنتج عن فعل حشد مجنون لا يعني بعضهم ببعض، وأنهم كانوا على استعداد لأن يدهسوا الناس". أما الواقع فهو أن الناس لا يدهسهم بشكل مباشر إلا أناس آخرون لا يكون لديهم خيار في هذا الأمر، وأن الذين يستطيعون الاختيار لا يعرفون شيئا عما يحدث لأنهم بعيدون جدا عن مركز الحدث ـــ وغالبا ما يكونون محاطين برجال شرطة مبتسمين يبعثون على الاطمئنان. وهو ما يشبه حالي حين دخلت حشد الاحتفال الخطير [احتفال نتنج هيل] ــ وأسهمت في ما وقع فيه.
وفي الحالات النادرة جدا التي يحدث فيها التدافع ــ وهو الذي يعني حين يمر الناس مسرعين فوق جسدك ــ لا يكون فيها مؤديا إلى الهلاك غالبا. يقول كيث ستل، أستاذ علم الحشود في جامعة مانشستر: "حين أنظر إلى تحليل [هذه الكوارث] لا أرى أية حالات مما يكون فيها التدافع سببا في حالات الموت الجماعية لأن الناس لا يموتون لإصابتهم بالذعر. فهم يُصابون بالذعر لأنهم يشعرون بأنهم معرضون للموت". وتمثل وجهة النظر هذه الآن ما يكاد يكون إجماعا بين المتخصصين في التخصص النامي الذي يشتغل به ستل وجاليا. فيقول ديريك هيلبنج، أستاذ الحوسبة في جامعةETH في زيورخ: "إن تعثُّر الحشد هو السبب المألوف في كوارث الحشود، وهو ما يمكن تمييزه من تلك الكوارث التي تنشأ عن "الذعر الجماعي" أو "دهس الحشود". ويقول بول تيرينز، الأستاذ في مركز علم المعلومات الجغرافية الفراغية في جامعة ماريلاند: "إن فكرة الفزع الجماعي خرافة".
ويقدم البروفسور ستل مشورته للمهندسين المعماريين وأجهزة الشرطة والذين يخططون للمناسبات ـــ ويشمل ذلك الذين يخططون لحفلات زواج ملكية ـــ عن كيفية التعامل مع المناسبات الكبرى، ويصر على أن حالات الدهس يمكن على العموم "منعها والتنبؤ بوقوعها وتجنب حدوثها". وقد تعاقد مع الحكومة السعودية سنة 2004 للاستفادة من مشورته في التخطيط لجسر الجمرات الجديد من أجل تسهيل ما صار عنق زجاجة واضحا أمام الجمرات. إلا أن ذلك، كما يقول، ربما لن يحل المشكلة. صحيح أن [المملكة] حلتْ [ببناء الجسر] جزءا من نظام معقد، وذلك ما جعله أكثر كفاءة. فقد كان لا يتسع إلا لمائتي ألف حاج في الساعة. أما الآن فيتسع لما يقرب من 500 ألف إلى 600 ألف في الساعة. ومن الواضح أن هذا يُحدث ضغطا على أجزاء النظام الأخرى كلها" ـــ ويعني هذا بكلمات أخر أن عددا ضخما من الناس يصِلون إلى نقاط يمكن أن تمثِّل مضايقَ أخرى على طول الطريق [إلى الجمرات]. إلا أن الطبيعة التخطيطة لمنى، حيث وقعت الكارثة الأخيرة، لم تتغير منذ أن أُنجز الجسر.
ويرى ستل أن إعادة تخطيط منطقة منى بأكملها يمكن أن تجعل الحج آمنا، لكنه يشكك في ذلك. فهو يقول: "إذا كنت تخطط لمناسبة بهذه الكثافة البشرية، فذلك يمثل [بنفسه] خطرا جوهريا لا مفر منه". وتتمثل التحديات، كما هي الحال دائما، في تحديد نقاط القياس. إذ يجب أن يكون كل واحد [من الحجاج]، مثلا، على مسافة قريبة من الجمرات تمكِّنه من رمي الجمار (حيث وقعت حوادث الدهس القاتلة في 1994، و2003، و2005، و2006)، ثم يجب على كل حاج أن يطوف بالكعبة داخل المسجد الحرام، ويعني ذلك أنه سيكون هناك حد للكيفية التي يمكن بها لعدد كبير من الحجاج أن يوجدوا في هذه الأماكن يوميا ــ ثم إن أعداد الحجاج كبيرة جدا. وللمقارنة فإن وجود 500 ألف حاج في الساعة على جسر الجمرات يماثل أضخم حشد من رواد المباريات الرياضية [لو جمعتَه] مرة في كل 24 دقيقة، أو يماثل حشد عدد سكان ألمانيا [لو جمعتهم] مرة كل أسبوع. وأحد الحلول الممكنة، بالطبع، أن تمدَّد أيام الحج عدة أيام [هههههههههههههههههه]!
والمشكل في تنظيم الحشود عامة أنه لا يتشابه مكانان أبدا. فقد قضى 21 شابا دهسا في 2010 في مدينة دويسبرج الألمانية خلال احتفال موسيقي سمي بـ "استعراض الحب"، وكان قد أُقيم الاحتفال في مكان جديد. وكانت هناك خطة معدَّة مسبقا للتنظيم، لكن كان المتوقع، لسبب ما، أن يتحرك الحشد في الاتجاهين كليهما عبر نفق واحد، وهو المكان الذي حدثت فيه الكارثة. وكما يوحي النموذج الحوسبي الذي صاغه "جاليا" فقد كان من الممكن لضعف عدد حاضري ذلك الاحتفال أن يتحركوا بطريقة آمنة عبر ذلك النفق [نفسه] لو وزِّع المتحركون إلى ثلاثة مسارات.
ويُثني "ستل" على معرفة المعنيين المحليين بتنظيم الحشود في المناسبات الكبرى وتجاربهم، لكنه يحذِّر كذلك من الثقة الزائفة بالنفس التي يمكن أن تنجم عن تلك المعرفة وتلك التجربة. فهو يقول مثلا: "لقد رأيت ضابط شرطة كان قد كُلِّف بالإشراف على ملعب ويمبلي [في لندن] يستخدم خططَه التي أثبتت نجاحها في ملعب فريق أرسنال [البريطاني]. وكان يريد أن يحاول تنفيذ تلك الخطة بتلك الطريقة في ملعب ويمبلي حيث كانت حياة 30 ألف متفرج في الميزان.. صحيح أنه لم يكن أحد عرضة حتى لقدر قليل من الضيق، لكنها كانت إحدى  اللحظات التي ربما يخطر على ذهنك فيها أن "هذا الحشد بأكمله سوف يعبُر من خلال بوابة لا يزيد عرضها عن ثلاثة أمتار، وليس هناك ما يمكن أن يوقف هؤلاء [عن التحرك]". وقد كنتُ في غرفة التحكم عند ذاك، وكان كل واحد جالسا يرى الحدث في أثناء ما كان يحدث. وقد نجحت خطة [هذا الضابط] في [ملعب أرسنال] لكنها لم تنجح في [ملعب ويمبلي]. ولم يقتصر الأمر على أني شاهدت ما كان يحدث، بل شاهدت كذلك عددا من الحالات التي كانت قريبا من الحدوث". وكان ما أزعج "ستل" بخاصة أننا نفشل دائما في التعلم من هذه الحوادث. إذ يقول: "ليس هناك عناية [عند الجهات المنظمة للمناسبات الرياضية وغيرها] بتسجيل المعلومات عن هذه الكوارث ولا توجد أية مساع لإصلاح الخلل وتحسين أوضاعها في السنوات التالية". أما حادث "نتنج هيل" سنة 1999 فلم يسجله أحد، وأنا الوحيد الذي ذكرته في هذا المقال، وربما يكون المكان الآخر [الذي يحتفظ بمعلومات عنه] هو الكوابيس التي يتعرض لها [في منامه] رجلُ الشرطة [المذكور في أول المقال].
ولو نُفِّذ مثل هذا النظام، أو لوْ أوجب القانون عموما على منظمي المناسبات أن "يُهتموا بسلامة الحشود"، أو لو استطعنا التوقف عن تسمية هذه الحوادث بـ"التدافع"، أو لو أمكن للأبحاث الجديدة والتقنيات الجديدة أن تساعدنا ــ وهو ما يمكن أن يعني تزويدَ هواتف رجال الشرطة ببرامج للمحاكاة الفورية [لحركة الحشود] ـــ لكان من الممكن عندئذ منع حوادث الدهس من الحدوث. ومع ذلك فسيستمر حدوث الكوارث أو ما يُنذر بها. وقد عَلَق "جاليا" نفسُه قبل شهور في حشد خطير في محطة [القطار الأرضي المسماة] بمحطة جسر لندنLondon Bridge station . ويقول عن ذلك: "لقد كنت خائفا على سلامتي وسلامة المحيطين بي. ولقد ظننت أن هذا سينتهي بسهولة ليكون كارثة. وبسهولة تامة". وقد تقدم بشكوى، والأمل أن يكون لهذه الشكوى أثر.
ويقدم "ستل" بعضَ القواعد الأساسية لمن يقترب من حشد كبير لكي يتبعها. فيقول: "كن متنبها لما يحيط بك. انظر إلى الأمام. أصغ للضوضاء التي تصدر عن الحشد. وإذا وجدت نفسك في طريق اندفاعة حشد قادمة، تمهل حتى تصل إليك الاندفاعة ثم اذهب معها وتحرك باتجاه جانبي الطريق. واصِل الحركة مع الاندفاعة ثم اقصد جانبي الطريق، عليك بجانبي الطريق". وغالبا ما ينجو الناس من مثل هذا الوضع، بالطبع. وغالبا لا يكونون واعين بما كان يحدث. لكنهم يتفقدون جيوبهم ويعودون إلى بيوتهم ليحكوا لأصدقائهم كيف أنهم كانوا ـــ لدقيقة هناك ــــ قريبا من الذعر.


[ملحوظات:
1ـــ إشارة كاتب المقال إلى اعتراض المتخصصين على مصطلحstampede ربما تكون صحيحة في غير وصف ما يحدث في الحج. صحيح أن الحجاج  لا يقصدون إيذاء الحجاج الآخرين لكن كثيرا ممن حج لا يفوتهم أن كثيرا من الحجاج يذهبون للطواف ورمي  الجمرات في جماعات مترابطة، وربما تكون متشابكة الأيدي، قصدا لحماية أنفسهم. ويؤدي هذا بطبيعته إلى إزاحة الحجاج الآخرين من طريقهم، ويجعل من الصعب على الآخرين اختراق ما يمكن أن يوصف بأنه جدار من الأجساد المترابطة. وهذا ما يؤدي بطبيعته إلى زيادة ضغط الحشود وتعثر بعض من يعترض طريق هذه المجموعات.
لذلك ربما يكون مصطلح "التدافع" ملائما في اللغة العربية لوصف هذا الواقع لأنه فيه حركة تزيح الجموع من أمامها وحركة معاكسة لها. ومن هنا فإن أحد الأسباب الواضحة لحوادث التعثر والدهس هو قوة دفع هذه المجموعات للآخرين مما يؤدي إلى تعثرهم وسقوطهم.
2ـــ يمكن ملاحظة أن حوادث التعثر والدهس لا تحدث إلا في يوم النحر عند رمي جمرة العقبة وفي الساعات الأولى بعد الزوال في اليوم الثالث عند رمي الجمرات. ويمكن لمن لاحظ الكثافة القليلة للذين يرمون يوم النحر بعد الساعة العاشرة أن يتحقق أنه كان هناك اندفاع للحجاج للرمي في الساعات الأولى منه. ومن المؤكد أنه لو كان هناك تحكم صارم بحركة الحجاج في هذين اليومين لتوزعوا على مدى ساعات النهار والليل في اليوم الأول، وعلى ساعات ما بعد الظهيرة إلى المغرب في اليوم الثالث، ولرموا الجمرات في اليومين من غير تزاحم.
3ــ لم أتمكن من نسخ الرسومات الفنية ولا اليوتيوب المصاحبة للمقال الأصلي وهي التي توضح بعض ما ورد في المقال. فأرجو ممن أراد الاطلاع على ذلك الرجوع إلى المقال الأصلي الذي وضعتُ رابطه في أعلى هذه الترجمة].

فيديو:


Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...